الشيخ محمد هادي معرفة
315
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
كقول العجاج : « وفاحما ومرسنا مسرّجا » « 1 » أراد بالمرسن أنف الممدوح ، وهو في الأصل اسم لأنف الحيوان ، لأنّه موضع الرسن . لكنّه تغافل عن هذه الخصوصية المناسبة لأصل الوضع ، وتوهّمه اسما لمطلق الأنف المشترك ، واستعاره لأنف الممدوح ، تنوّقا وتوسّعا في الكلام . ولا يخفى مدى ابتعاد هذه الاستعارة عن الظرافة واللطف ، إن لم تكن قريبة من الوهن والقباحة . وقال آخر ، يصف إبلًا : تسمع للماء كصوت المسحل * بين وريدها وبين الجحفل « 2 » فاستعار الجحفل لشفة البعير ، وهو موضوع لشفة الفرس من غير فائدة لذلك . وقال آخر : والحشو « 3 » من حفّانها كالحنظل . فأجرى الحفّان على صغار الإبل ، وهو موضوع لصغار النعام . وقال آخر : فبتنا جلوسا لدى مهرنا * ننزع من شفتيه الصفارا « 4 » فاستعمل الشفة في الفرس ، وهي موضوعة للإنسان . فهذا النوع من الاستعارة لا يفيد شيئا سوى استعمال لفظة مكان أخرى تفنّنا في العبارة ، من قبيل الألفاظ المترادفة ، في حين عدم الترادف . بل الاستعارة هاهنا بأن تنقص الكلام جزء من الفائدة أشبه . لأنّ معنى الاستعارة نفي الاشتراك ، وهو يناقض نفي الخصوصية عند النقل . إذ مع ملاحظة الخصوصية في المستعار منه لايصحّ نقله إلى المستعار له ، فلو لم تَلحَظ الخصوصية ونَفيتَها تصحيحا للنقل أصبح اللفظ مشتركا بين الموضعين ، ولا استعارة في المشتركات . « 5 » * * *
--> ( 1 ) - صدره : « ومقلةً وحاجبا مزجّجا » . المقلة : العين . والمزجّج : المدقَّق المطوَّل . ( 2 ) - المسحل : آلة السحل أي النحت كالمِبْرد . ( 3 ) - الحشو : صغار الإبل . ( 4 ) - الصفار : القراد . وما بقي في أصول أسنان الدابّة من تبن ونحوه . ( 5 ) - راجع : أسرار البلاغة ، ص 23 .